ابن رشد
240
تهافت التهافت
تباعد الأنواع بعضها من بعض فكيف يصح أن ينتقل الحكم من الشاهد إلى الغائب وهما في غاية المضادة . وإذا فهم معنى الصفات الموجودة في الشاهد وفي الغائب ظهر أنهما باشتراك الاسم اشتراكا لا يصح معه النقلة من الشاهد إلى الغائب . وذلك أن الحياة الزائدة على العقل في الإنسان ليس تنطلق على شيء إلا على القوة المحركة في المكان عن الإرادة وعن الإدراك الحاصل عن الحواس . والحواس ممتنعة على الباري سبحانه وأبعد من ذلك الحركة في المكان . وأما المتكلمون فإنهم يضعون حياة للباري سبحانه من غير حاسة ، وينفون عنه الحركة بإطلاق ، فإذا إما ألا يثبتوا للباري تعالى معنى الحياة الموجودة للحيوان التي هي شرط في وجود العلم للإنسان وإما أن يجعلوها هي نفس الإدراك كما تقول الفلاسفة : إن الإدراك والعلم في الأول هما نفس الحياة . وأيضا فإن معنى الإرادة في الحيوان هي : الشهوة الباعثة على الحركة وهي في الحيوان والإنسان عارضة لتمام ما ينقصهما في ذاتهما . والباري سبحانه محال أن تكون عنده شهوة لمكان شيء ينقصه في ذاته حتى تكون سببا للحركة والفعل ، أما في نفسه وأما في غيره فكيف يتخيل إرادة أزلية هي سبب لفعل محدث من غير أن تزيد الشهوة في وقت الفعل أو كيف يتخيل إرادة وشهوة حالهما قبل الفعل وفي وقت الفعل وبعد الفعل حال واحدة دون أن يلحقها تغير . وأيضا الشهوة من حيث هي سبب للحركة والحركة لا توجد إلا في جسم ، فالشهوة لا توجد إلا في جسم متنفس فإذا ليس معنى الإرادة في الأول عند الفلاسفة إلا أن فعله صادر عن علم فالعلم من جهة ما هو علم بالضدين ممكن أن يصدر عنه كل واحد منهما وبصدور الأفضل من الضدين دون الأخس عن العالم بهما يسمى العالم فاضلا ، ولذلك يقولون في الباري سبحانه : إن الأخص به ثلاث صفات : وهو كونه عالما ، فاضلا ، قادرا ، ويقولون : أن مشيئته جارية في الموجودات بحسب علمه ، وأن قدرته لا تنقص عن مشيئة كما تنقص في البشر . هذا كله هو قول الفلاسفة في هذا الباب ، وإذا أورد هذا كما أوردناه بهذه